حسن الأمين
207
مستدركات أعيان الشيعة
بناء على وعد نادر له . وقد وفي نادر بوعده فلم يقتله وإنما اكتفى باعمائه . وفي تلك السنة ، سنة 1154 ه ، كان نادر عرضة لازمة نفسية ، بسبب انكساراته في داغستان واشتداد مرضه بعد أن تركه طبيبه الهندي ، وكان ينتفع به ويعتمد عليه ، وتوالي المشقات عليه في حروبه المتصلة ، وطول مقاساته شدائد الحر والقر وغير ذلك من العوامل الطبيعية القاسية ، والحوادث المؤلمة التي وقعت في إيران في أثناء غيابه في الهند والشيخوخة ، كل ذلك جعل مزاجه عكرا عصبيا . فحكم بلا روية باعماء عيني ابنه « رضا قلي ميرزا » . فاستدعاه من طهران إلى معسكره الذي أقامه في داغستان على شاطئ بحر قزوين وسماه « إيران خراب » قريبا من مرفا « دربند » . والظاهر أن إنفاذ ذلك الحكم المشئوم قد وقع في ذلك المعسكر . وأعميت عينا الأمير التاعس بحضور أبيه وجماعة من رجاله في خريف سنة 1154 هالموافقة سنة 1742 م . ولكن نادرا عاد فندم ندما شديدا بعد إنفاذ الحكم . فما كان منه إلا أن بادر إلى قتل جماعة من رجاله كانوا حاضرين إجراء الحكم ، لأن أحدا منهم لم يلتمس منه العفو عن ابنه وينبهه إلى عاقبة هذا العمل . وبلغ منه الغم مبلغا شديدا ، فاعتزل في خيمته ثلاثة أيام لا يغادرها . وكانت عاقبة الأمير الأعمى أن قتله وإخوته وأبناءه ابن عمهم « علي قلي خان » سنة 1160 ه ، بعد مقتل نادر . مقتل نادر كان نادر ، في الأساس ، جنديا ، وأكثر مهارته تجلى في القيادة العسكرية . ولكنه كان أيضا سياسيا كفا وإداريا حازما مدبرا لا يترك كبيرة ولا صغيرة من شؤون ملكه إلا راقبها . لا يسمح لنفسه بإهمال شيء مهما قل شانه . لا يمل من كثرة العمل ولا يجبن عن اقتحام الصعاب ، بل يجد متعة في معالجة المشاكل والاجتهاد في حلها ، حتى أصبح موضع الحمد والثناء من أمته ، قادرا على تملك قلوبهم وتصريفهم كيفما شاء . ولكن أكثر اهتمامه كان منصرفا إلى التطلع نحو الفتوحات العسكرية فقل اهتمامه بشؤون الإدارة . ومع ذلك كان قد قام بماثرة عظيمة هي إحدى ماثره الكثيرة ، إذ استطاع أن يبسط النظام والاستقرار على كل نواحي ملكه ، وضبط أمور الإدارة بكل دقة ، وعاقب المخالفين والمتلاعبين بلا هوادة ، وحصن الحدود الشمالية الشرقية في وجه حملات الغزو المتتابعة ، حملات التركمان والأزابكة وقبائل « أفشار » والأكراد وسائر القبائل المتمردة ، وما زال يضعفها شيئا فشيئا حتى استأصل شافتها . ومن مفاخره ما أقدم عليه من خطط ثورية جديدة . من ذلك سعيه قصارى جهده إلى رفع الاختلاف من بين أهل السنة والشيعة . ومنها نبذه طريقة الصفويين التي كانت متبعة في تربية أمراء البيت المالك ، وهي أن يظلوا قعيدي القصر يتقلبون في حياة الرفاه والراحة إلى يوم تسلمهم زمام الحكم . ومع أن مهاراته العسكرية قد أوصلت إيران إلى ذروة العظمة وحررتها من حكم الأجانب فان قلوب رعاياه لم تلبث أن أخذت تبتعد عنه شيئا فشيئا لاستقلاله برأيه وفرض الضرائب الثقيلة ، خصوصا في أواخر عمره . وزاد في نفور الناس منه إبادة ابنه للأسرة الصفوية على ذلك النحو الفظيع . ظل نادر في صحة جيدة ومزاج سليم إلى سن الخمسين . ففي هذه السن اعتل جسمه وأثرت العلة في روحيته تأثيرا سيئا . وقبل حملته على الهند أصيب بمرض في معدته جعله متشائما . ولم يفده طب الإيرانيين فاستدعى أطباء أجانب . وعاينه في الهند طبيب حاذق اسمه « علوي خان » فانتفع به وصحبه معه إلى إيران وأصبح طبيبه الخاص يرافقه أينما ذهب . ثم فارقه سنة 1154 هوسافر إلى مكة لأداء فريضة الحج ، فازدادت حالة نادر الصحية سوءا . فما حلت سنة 1156 هحتى كان قد تغير تغيرا عظيما ، وظهرت عليه أعراض عصبية شديدة . وكان حكمه على ابنه بذلك الحكم المشئوم ثم ندمه حيث لا ينفع الندم قد جعله في حالة مزاجية شديدة الخطر . فأصبح دائم الغضب ، وصدرت منه تصرفات مستغربة ، منها أنه ، بعد أن كان قد أمر بإعفاء الإيرانيين من الضرائب إلى ثلاث سنوات ، لم يلبث أن ألغى هذا الأمر . يقول « هانوي » : « كان رسله إلى تحصيل الضرائب كرسل العذاب واللعنة في نظر الناس . وإلى هذا كان لا ينفك يضيف إلى الملايين التي كنزها في » كلات « مبالغ أخرى من النقد والمجوهرات . ويقينا لو أن فتح خزائنه التي في » كلات « وبذل من ملايين النقود التي حصل عليها من الهند لجعل من عسكره سندا له . ولم توجد دواع للتذمر . وواصلت إيران فائزة سعيدة عهده المجيد الذي حققه إلى آخر سلسلته الطويلة » . قلما اهتم نادر في أواخر عمره برفاه رعاياه ، ولا فكر في توسعة المصادر المادية لإمبراطوريته . وانصرف إلى جمع المال والعتاد لتجهيز قواته العسكرية العظيمة . ولما استوى على عرش السلطنة كانت إيران تقاسي عجزا وفقرأ شديدين بعد المعارك الطويلة التي خاضتها في محاربة الأفاغنة والعثمانيين . وكان نادر يستطيع ، وقد عاد من الهند يحمل الملايين من النقد ، أن يعفي الإيرانيين من دفع الضرائب إلى مدة سنين طويلة . ولكنه ، بدلا من ذلك ، أخذ ينفق أمواله الضخمة تبذيرا ، وازداد قسوة في فرض الضرائب . وأخذ التجار والفلاحون يتذمرون من هذه الضرائب الباهظة وتكليفهم سد حاجات القوات العسكرية . وكان أمرا عجيبا أن لا يدرك رجل على مثل هذا الذكاء الحاد أنه باقدامه على مثل هذه الأمور إنما يسعى إلى الخيبة . وكل الدلائل تدل على أن تضعضع قواه الفكرية الذي عراه في السنوات الأخيرة من ملكه كان السبب في هذا الخبط . وفي سنة 1157 هكان يسير إلى غزو « إيروان » في أذربيجان فأصيب وهو في الطريق إليها بمرض شديد أعجزه عن متابعة السير ، حتى أنهم اضطروا إلى حمله في بعض الطريق على محمل « التختروان » . وعالجه الطبيب حتى تحسنت حاله . ثم اتصل به الأب « لويس بازن » ( 1 ) ، وكان طبيبا ، فلازمه إلى آخر أيام حياته ، وانتفع به . ولكنه بدا في آخر سنة من عمره منكسر النفس مغموما . وتمادت به هذه الحال حتى كان في الشهرين الأخيرين من عمره قد خرج عن حالته المعتادة كليا .
--> ( 1 ) الأب « لويس بازن » فرنسي كان مبشرا ، وكان طبيبا أدخله نادر في خدمته وانتفع بطبه حتى أصبح أول أطبائه . وقد بعث هذا الأب إلى رئيسه في فرنسا بتقارير تضمنت معلومات ثمينة عن حياة نادر شاه